السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون

السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون

يعتبر السلطان المنصور قلاوون من أعظم شخصيات عصر سلاطين المماليك بصفة عامة ، وعصر المماليك البحرية بصفة خاصة ؛ إذ […]

شخصيات

يعتبر السلطان المنصور قلاوون من أعظم شخصيات عصر سلاطين المماليك بصفة عامة ، وعصر المماليك البحرية بصفة خاصة ؛ إذ يبدأ حكم أسرة قلاوون به نفسه في سنة 678ه‍/1279م .

استطاع السلطان قلاوون خلال فترة حكمه أن يحقق الكثير من الإصلاحات الداخلية والإنتصارات الخارجية علي المغول والصليبيين ، واستقرت الأوضاع الإجتماعية في عهد السلطان قلاوون .

كان المنصور قلاوون ينتمي إلى الجنس التركي ، فجلب إلي مصر وهو صغير ، واشتراه الأمير ” علاء الدين أقسنقر العادلي ” أحد مماليك” الملك العادل أبي بكر ابن ايوب ” بألف دينار ،

فعرف من أجل ذلك بالألفي ؛ فلما مات أستاذه الأمير علاء الدين صار إلي الملك ” الصالح نجم الدين أيوب ” في عدة من المماليك ؛ فعرفوا بالعلائية .

أن السلطان الصالح أيوب جعل قلاوون من جملة المماليك البحرية الذين أسكنهم قلعة الروضة ونسبوا إليه فقيل لهم الصالحية ، فلما قام المعز أيبك في سلطنة مصر ،

وقتل الفارس أقطاي خرج قلاوون من مصر فيمن خرج من المماليك البحرية ، وتنقلت به الأحوال حتي صار أتابك العساكر بديار مصر في سلطنة الملك ” العادل سلامش ” ابن ” الظاهر بيبرس ” ، وصار يذكر إسمه مع إسم العادل على المنابر

وتصرف .. تصرُف الملوك لمدة ثلاث أشهر ، واستغل قلاوون صغر سن الملك العادل وأخذ يمكن لنفسه ، إلي أن وقع الإتفاق على خلع العادل وإقامة قلاوون .

صفات الملك المنصور سيف الدين قلاوون

لم يخلِ مصدر من المصادر التاريخية التي أرخت للعصر المملوكي بعامة ، وعصر المماليك البحرية ودولة بني قلاوون بخاصة ، من الإشادة بالسلطان الملك المنصور قلاوون ،

ووصفه بأطيب الصفات وأروع الخصال ، “فكان وسيماً جسيماً ، من أحسن الأتراك صورةً ، وأهيبهم في رجولته ، وكان حسن الشكل ، قصير القامة ، وعليه سكينه ووقار ” .

أما عن شخصية قلاوون فقد أثني جميع المؤرخين علي شجاعته وعفته فكان ملكاً عظيماً ، لا يحب سفك الدماء ، مائلاً إلي فعل الخير والأمر بالمعروف ” ووصفه إبن إياس بأنه كان ” شجاعاً ، بطلاً ، مقداماً في الحرب ”

الملك المنصور سيف الدين قلاوون والسلطنة

جلس قلاوون علي تخت الملك في شهر رجب 678ه‍/1279م . وحلف له الأمراء وأرباب الدولة ، وتلقب بالملك المنصور ،

وأمر أن يكتب في صدر المناشير والتواقيع والمكاتبات لفظ ” الصالحي ” فكتب بذلك في كل ما يكتب عن السلطان ، وزينت القاهرة ومصر وظواهرهما وقلعة الجبل ، وأقيمت له الخطبة بأعمال مصر .

ولم يلبث السلطان قلاوون أن تعرض في أوائل حكمه لنفس النوع من العقبات التي تعرض لها غيره من سلاطين المماليك

، ونقصد بهذه العقبات خروج بعض كبار الأمراء على السلطان المنصور قلاوون لأعتقادهم أنهم أجدر منه بالسلطنة ، فخرج عليه الأمير ” شمس الدين سنقر الأشقر ” نائب دمشق وامتنع عن مبايعته

، كما لم يعترف بخلع الملك ” العادل سلامش ” وتولية قلاوون سلطنة مصر ، فدعا أهل دمشق إلي طاعته وتلقب بالملك الكامل ، وخطب له علي منبر الجامع الأموي ، ولما علم قلاوون بخروج سنقر عليه ، أرسل إليه كتاباً أنحي فيه عليه باللائمة

، ولم يكتفِ السلطان قلاوون بذلك ، بل أنفذ حملة ضد سنقر الأشقر ، فكتب إلي إيلخان المغول ” أبغا بن هولاكو” يحثه علي غزو الشام ، وأخيراً خضع سنقر الأشقر وطلب الأمان 686ه‍/1287م وبذلك دانت بلاد الشام للسلطان

أحوال مصر الداخلية في عهد السلطان قلاوون :-

كانت أحوال مصر الداخلية في عهد السلطان قلاوون حسنة ومزدهرة بدليل الإنتعاش الذي شمل مختلف أنماط الحياة في عهده

، ويكفي خلو عهد السلطان قلاوون من حدوث الأزمات الإقتصادية الناجمة عن ظهور الأوبئة أو توقف زيادة النيل .

السياسة الخارجية لسيف الدين قلاوون

عقد قلاوون المعاهدات مع الأمراء الصليبيين الذين كانت تتملكهم النزعة إلي الإستقلال .

كما قام قلاوون في عام 1281م بالتحالف مع الإمبراطور البيزنطي ” ميخائيل الثامن باليو لاجوس ” ضد ” تشارلز أوف أنجو ” الذي كان يهدد كلاً من الإمبراطورية البيزنطية ومملكة القدس ولقد شعر قلاوون بالخطر من أنباء الهجوم المغولي ،

فأسرع بالتصالح مع سنقر الأشقر ، مانحاً إياه إقطاعين في شمال سوريا هما أنطاكية وأفاميا ، وبذلك أدخل سنقر الأشقر في صفه ووقف الرجلان يستعدان لصد الهجوم المغولي المرتقب ولم يكتفي قلاوون بذلك

، وإنما اتجه إلي الصليبيين كي يضمن حيادهم وعدم تعاونهم مع المغول ، فبادر السلطان قلاوون بإرسال رسله إلي عكا يقترح عقد هدنة مدتها عشر سنوات

، علي الرغم من أن الهدنة السابقة مع عكا عام 1272م كانت ما تزال سارية لمدة عام آخر ، ووجد أبناء عكا في الهدنة الجديدة إيجابياً يضمن لهم إزدهاراً تجارياً وسلاماً في حياتهم وفي تجارتهم .

علي أن بعض المصريين نصح الفرنج بعدم قبول الهدنة مع قلاوون إذ سرعان ما سينقلب عليهم بعد فراغه من الغزو المغولي وعندما سمع ” روجر أوف سان سفرينو ” بذلك أرسل إلي السلطان قلاوون يحذره من هؤلاء الخونة المصريين ،

واستطاع قلاوون القبض على هؤلاء المتأمرين في الوقت المناسب ، وبعدها وافقت الأنظمة العسكرية الدينية في عكا علي تلك الهدنة .

وكانت أهم بنود الهدنة

  • • أعطي التجار من رعايا السلطان الأمن وحرية العمل التجاري في عكا والبلاد الساحلية .
  • • توقف الفرنجة عن الإعتداء على أراضي دولة السلطان .
  • • يتولي فرنج عكا إنذار السلطان وإعلامه بأي تحرك أوروبي مضاد لهم وكذلك بالنسبة إلي تحركات المغول
  • • يضمن السلطان حماية عكا من أعمال القرصنة .

البناء والحضارة :-

إهتم ذلك السلطان العظيم بالنشاط العلمي وإنشاء المدارس والمساجد والإهتمام بالعمارة ،

خاصةً وأن القاهره قد أصبحت ملاذاً لطالبي العلوم والمعرفة بعد سقوط بغداد وتعاقب سقوط الدول الإسلامية في الأندلس ،

فتوافد عليها العلماء واتخذوها قبلة لهم ، ووجدوا في كنف السلطان قلاوون كل رعاية واهتمام فصارت القاهرة مركزاً للإشعاع الحضاري .

• مجموعة السلطان سيف الدين قلاوون

وتضم المجموعة مسجداً ومدرسة وقبة ضريحية وبيمارستان وهي مجموعة أثرية مبنية علي الطراز الإسلامي المملوكي .

المدرسه المنصورية

أقام السلطان قلاوون عدداً من المدارس التي امتلأت بالشيوخ وطالبي العلم ، وأهمها المدرسة المنصورية ،

التي أوقفها لتدريس الفقه علي المذاهب الأربعة ، وكان يتولى التدريس بها كبار الأئمة وأعيان الفقهاء ، وتُعد المدرسة من أروع المدارس المملوكية التي شيَدت بالقاهرة لعمارتها الرقية ، وزخارفها الرائعة .

كما أنشأ قلاوون القبة المنصورية التي أصبحت تعلو ضريحه وجعل منه مدرسة ومسجداً ، وجعل به خمسين قارئ يقرأون القرآن ليلاً ونهاراً ، وخصص له إماماً للصلاة ،

وعالماً لتفسير القرآن للطلاب الذين يؤمون القبة ، وجعل بها خزانة للكتب وهذه القبة من أجمل القباب الباقية بمدينة القاهرة .

القبة الضريحية

ضريح قلاوون ، ثاني أجمل ضريح في العالم .
ويري البعض أن ضريح قلاوون هو أحد أروع الفنون المعمارية ويعد ثاني أجمل مقبرة في العالم بعد تاج محل في الهند

فالضريح قطعة رائعة في فن العمارة المملوكي ، سواء بتخطيطه الفريد ، أو بعناصر زخرفته ، أو بشتي المهام التي ينجزها .

ويقول ” النويري ” أن مدفن قلاوون لم يكن المقصود بناءه لهذا الغرض ؛ وإنما ليكون مقراً لمدرسة ومسجد ، ولقد أولاه السلطان شتي المهام في حياته ، ولم يستخدم كمقبره إلا عندما وضع فيه جثمانه ،

ولقد ظل جثمانه في القلعة طوال شهرين إلي أن قام ابنه ” الأشرف خليل ” بإعداد مكان في المجمع لدفنه كما دفن فيه ابنه ” السلطان الناصر محمد” ، واستمر الضريح يؤدي دوره الديني بعد أن أصبح مدفناً لأبناء قلاوون .

البيمارستان :

كان هذا البيمارستان هو السبب في بناء المجموعة كلها وقد قيل في سبب بنائه تفسيرين .

• أولهما :-

أن الملك المنصور قلاوون عندما كان أميراً في عهد السلطان الظاهر بيبرس توجه إلي غزو الروم سنة 675ه‍/1276م فأصابه بدمشق قولنج عظيم فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من بيمارستان ” نور الدين محمود ” وبعد شفائه ركب حتي شاهد البيمارستان وأعجب به

ونذر إن أتاه الله الملك أن يبني بيمارستاناً ، وعندما تبوأ عرش السلطنة وفي بنذره وبني هذا البيمارستان

• أما التفسير الثاني :-

فقد أورده ابن اياس فقال إن السلطان أمر بشئ كان له فيه اختيار ، فخالفه جماعه من العوام ، ورجموا المماليك فغضب عليهم السلطان ،

وأمر المماليك أن يقتلوا كل من وجدوه من العوام ، فاستمر القتال ثلاثة أيام فقتل في هذه المدة ما لا يحصي عددهم من العوام وراح الصالح بالطالح ، فلما تزايد الأمر طلع القضاة ومشايخ العلم إلي السلطان وشفعوا فيهم ،

فأمر بكف القتال عنهم بعدما قتل من الناس جماعة كثيرة ، فلما جري ذلك ندم السلطان علي ما وقع منه ، فأشار عليه بعض العلماء أن يفعل شيئاً من أنواع البر والخير لعل أن يكفر عنه فشرع في بناء هذا البيمارستان .

لم يقتصر البيمارستان المنصوري علي تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية فحسب بل تعدي الأمر ذلك إلي تدريس الطب والإهتمام به .

ويتضح من ذلك مدي إزدهار النشاط العلمي والديني في عهد السلطان قلاوون .

سار السلطان إلي دمشق فدخلها في التاسع عشر من محرم وهو أول قدومه إليه في سلطنته فكان يوماً مشهوداً ، وقد إجتمع له عسكر عدته خمسون ألف .

وبينما السلطان في ذلك ورد عليه مجئ التتار إلي البلاد الشامية وهو بدمشق ، فتهياً لقتالهم وأرسل بطلب العساكر المصرية وحضرت عساكر مصر إلي دمشق ،

ووصلت الأخبار بوصول التتار إلي أطراف بلاد حلب ، فخلت حلب من أهلها وجندها ونزحوا إلي جهة حماة وحمص ، وتركوا الغلال والأمتعة وخرجوا جرائَد علي وجوههم ،

ثم ورد الخبر بوصول
” منكو تَمُر بن هولاكو ” ملك التتار إلي بَغْرّاس ونزل السلطان بعساكره في حمص ، وراسل سنقر الأشقر بالحضور إليه بمن معه من الأمراء والعساكر ،

فامتثل سنقر الأشقر لأمر السلطان ، وحضر إلي الملك المنصور قلاوون ، وشرع التتار يتقدم قليلاً .. قليلاً بخلاف عاداتهم ، فلما وصلوا حماة أفسدوا نواحيها .

وقدم الملك المنصور بعساكره ، والتقي الجمعان عند طلوع الشمس ، وكان عدد التتار مائة ألف فارس أو يزيدون ، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل ، وعظم القتال بين الفريقين وثبت كل منهما في مواجهة الآخر .

قال الشيخ ” قطب الدين ” :-

كانت وَاقْعَة عظيمة لم يُشهَد مثلُها في هذه الأزمان ولا من سنين كثيرة .. ”

واضطربت ميمنة المسلمين ، وحُمِلَ التتار علي ميسرة المسلمين فكسروها وانهزم من كان بها ، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل ثباتاً عظيماً .

ثم إن أعيان الأمراء وشجعانهم :-

مثل ” سنقر الأشقر ، وعلم الدين سنجر الدويداري ، وحسام الدين لاجين المنصوري ” وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا علي التتار وحملوا عليهم حملات حتي كسروهم كسرة عظيمه ،

فتمت هزيمتهم ، وجُرِحَ مَنْكو تَمُر مقدم التتار وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وكتبت البشائر بهذا النصر العظيم إلي سائر البلاد ، وكان سرور أهل دمشق أضعاف سرور غيرهم بهذا النصر .

وخرج السلطان قلاوون عائداً إلي الديار المصرية ، وخرج الناس لوداعه مُبتهلين بالدعاء له ، وسار حتي دخل الديار المصرية ؛ فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة ، وتضاعف سرور الناس بسلامته وبنصر المسلمين علي العدّو المخذول .

الإستيلاء على طرابلس 688ه‍/1289م :-

علم السلطان قلاوون بأن الفرنجة بطرابلس نقضوا الهدنة ، واعتدوا علي التجار المسلمين ، رغم تعهدهم بألا يتعرضوا لتاجر ، ولا يقطعوا الطريق علي مسافر ، وعندئذٍ أعد السلطان العدة للإستيلاء عليها ، وخرج من القاهرة بجيش كبير ،

كما كتب إلي جميع نوابه بالشام بتجهيز الجيوش إلي طرابلس ، وبهذه القوة الضاربة حاصر السلطان المدينة بالمجانيق حصاراً شديداً واستمر هذا الحصار أربعة وثلاثين يوماً حتي سقطت المدينة وفتحت في 4 ربيع الأخر 688ه‍/1289م .

ولم يلبث الصليبيون أن أخلوا ما لهم من مراكز ومدن في إمارة طرابلس ، فاحتلها المماليك بسهولة .

ولما فُتحت طرابلس كُتبت البشائر إلي الأفاق بهذا النصر العظيم .
كان سقوط طرابلس نصراً مؤزراّ ، توج به السلطان جهوده التي أثمرت باسترجاع الكثير من المدن والحصون من أيدي الصليبيين الغزاة إلي العرب المسلمين .

وفاة المنصور قلاوون :-

عزم السلطان الملك المنصور علي الحج فبلغه خبر فرنج عكا ، فتهيأ للخروج إلي البلاد الشامية ،

وخرج من القاهرة إلى مُخيمه وهو متمرضاً بخيمةٍ عند مسجد التبن خارج القاهرة إلي أن توفي به وحُمل إلي القلعة وتسلطن من بعده ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل الذي كان عُهِد له بالسلطنة ،

ودفن السلطان قلاوون بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها ، وليس بديار مصر ولا بالشام مثلها ، وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة .




اقرأ المقالات الأحدث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *